فخر الدين الرازي

93

تفسير الرازي

نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ( 83 ) عليك البلاغ المبين يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ) اعلم أن الانسان إما أن يكون مقيما أو مسافر إما أن يكون غنيا يمكنه استصحاب الخيام والفساطيط ، أو لا يمكنه ذلك فهذه أقسام ثلاثة : ( أما القسم الأول ) فإليه الإشارة بقوله ( والله جعل لكم م بيوتكم سكنا ) ( وأما القسم الثاني ) فإليه الإشارة بقوله ( وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا ) ( وأما القسم الثالث ) فإليه الإشارة بقوله ( والله جعل لكم مما خلق ظلالا ) وذلك لان المسافر إذا لم يكن له خيمة يستظل بها فإنه لابد وأن يستظل بشئ آخر كالجدران والأشجار وقد يستظل بالغمام كما قال ( وظللنا عليكم الغمام ) ثم قال ( وجعل لكم من الجبال أكنانا ) واحد الأكنان كن على قياس أحمال وحمل ، ولكن المراد كل شئ وقى شيئا ، ويقال استكن وأكن إذا صار في كن . واعلم أن بلاد العرب شديدة الحر ، وحاجتهم إلى الظل ودفع الحر شديدة ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه المعاني في معرض النعمة العظيمة ، وأيضا البلاد المعتدلة والأوقات المعتدلة نادرة جدا والغالب إما غلبة الحر أو علبة البرد . وعلى كل التقديرات فلا بد للانسان من مسكن يأوى إليه ، فكان الانعام بتحصيله عظيما ، ولما ذكر تعالى أمر السكن ذكر بعده أمر الملبوس فقال ( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ) السرابيل القمص واحدها سربال ، قال الزجاج : كل ما ألبسته فهو سربال من قميص أو درع أو جوشن أو غيره ، والذي يدل على صحة هذا القول أنه جعل السرابيل على قسمين : أحدهما : ما يكون واقيا من الحر والبرد . والثاني : ما يتقى به عن البأس والحروب ، وذلك هو الجوشن وغيره ، وذلك يدل على أن كل واحد من القسمين من السرابيل . فان قيل : لم ذكر الحر ولم يذكر البرد ؟ أجابوا عنه من وجوه : ( الوجه الأول ) قال عطاء الخراساني : المخاطبون بهذا الكلام هم العرب وبلادهم حارة فكانت حاجتهم إلى ما يدفع الحر فوق حاجتهم إلى ما يدفع البرد كما قال ( ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ) وسائر أنواع الثياب أشرف ، إلا أنه تعالى ذكر ذلك النوع لأنه كان إلفتهم بها أشد ، واعتيادهم للبسها